Okaz

09 الرأي الثلاثاء ، م 2026 مايو 26 هـ 1447 ذو الحجة 9 21493 السنة التاسعة والستون العدد الذكاء الاصطناعي.. فيخدمةضيوفالرحمن في كل عـام، تؤكد المملكة العربية السعودية قدرتها الاستثنائية على إدارة واحدة من أعظم وأعقد عمليات إدارة الحشود والتنظيم الـبـشـري فــي الـعـالـم، حـيـث تجتمع الملايين فــي مـسـاحـة جغرافية مــحــدودة وخلال زمـــن قـصـيـر، فــي مشهد إيـمـانـي وإنـسـانـي فريد يتمثل في خدمةضيوف الرحمن. ومع التحوّلات التقنية المتسارعة، لـم تعد إدارة الحج تعتمد على التوسع الخدمي التقليدي فقط، بـل دخلت مرحلة جـديـدة تقوم على توظيف الـذكـاء الاصطناعي والـــبـــيـــانـــات الـضـخـمـة لـــرفـــع كـــفـــاء ة الـتـشـغـيـل، وتــعــزيــز الـــسلامـــة، والارتقاء بتجربة الحاج. هـــ أن الذكاء الاصطناعي 1447 واللافــت في موسم حج هـذا العام لـم يعد مـجـرد أداة تقنية مـسـانـدة، بـل أصـبـح جـــزء ًا مـن المنظومة التشغيلية التي تدير المشهد ميدانيًا لحظة بلحظة، عبر تحليل البيانات، وقراء ة حركة الحشود، ودعم القرار الفوري. وهو تحوّل يعكسحجم التطور الذي تشهده منظومة الحج ضمن مستهدفات ، التي وضعت خدمة ضيوف الرحمن في 2030 رؤيــة السعودية مقدمة أولوياتها الوطنية والتنموية. ويشهد الموسم الحالي توسعًا في استخدام أنظمة الاستشعار الذكية المرتبطة ببطاقة «نــســك»، بـمـا يتيح متابعة حـركـة الـحـجـاج وتحليل الكثافات البشرية بصورة لحظية، ويسهم في تحسين التفويج ورفع مستويات الانسيابية والسلامة داخل المشاعر المقدسة. كما عززت منصة «نسك» تكاملها الرقمي مع عدد من الخدمات الحكومية، لتصبح منصة موحدة تدير رحلة الحاج من إصــدار التصاريح وحتى الوصول إلى الخدمات والتنقل بين المواقع المختلفة. وتشكّل بطاقة «نسك» اليوم هوية تشغيلية ذكية تسهم في تسهيل الإجـــراء ات والتحقق الفوري من البيانات والتصاريح والخدمات الميدانية. ومـــن أبـــرز الــتــطــورات هـــذا الــعــام تـوظـيـف تقنيات الــرؤيــة الحاسوبية والطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مراقبة حركة الحشود وتحليل الأنـمـاط الميدانية، بما يساعد على سرعة الاستجابة ورفــع كـفـاء ة إدارة الحركة في المواقع ذات الكثافة العالية. كما واصلت مراكز العمليات الذكية تطوير قدراتها في الربط اللحظي بين الجهات التشغيلية والأمنية والخدمية، في نموذج يعكس الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الاستباقية القائمة على البيانات والتحليل الفوري. وفي جانب الخدمات الإنسانية، برز التوسع في الخدمات الرقمية متعددة اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومن بينها المساعد »، الـــذي يسهم فـي تسهيل الـتـواصـل والإرشـــاد Nusuk AI« الـذكـي والـــــوصـــــول إلـــــى المـــعـــلـــومـــات والــــخــــدمــــات لــلــحــجــاج مــــن مـخـتـلـف الجنسيات واللغات. كما تتنامى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الجوانب الصحية، عبر دعم التنبؤ بالإجهاد الـحـراري، وتحليل المـــؤشـــرات الـصـحـيـة، والمـــســـاعـــدة فـــي ســرعــة الاســتــجــابــة لـلـحـالات الــطــارئــة خلال المـــوســـم. وفـــي المـشـاعـر المــقــدســة، تـتـحـوّل الـبـيـانـات والــخــوارزمــيــات إلـــى أدوات تـدعـم سلامـــة الــحــاج، وتـيـسّـر رحلته، وترفع كفاء ة الخدمات المقدّمة له، في تجربة تعكس التكامل بين التقنية والقيم الإنسانية. واليوم، لم تعد إدارة الحشود تعتمد على الخبرة الميدانية وحدها، بل أصبحت قائمة على قـراء ة الأنماط وتحليل البيانات والاستشراف المبكر، بما يعكس نضجًا مؤسسيًا وتقنيًا متقدمًا في إدارة أحد أكبر التجمعات البشرية فـي الـعـالـم. وفــي الـوقـت الــذي يتعامل فيه العالم مـع الذكاء الاصطناعي بوصفه سباقًا تقنيًا واقتصاديًا، تقدّم المملكة في الحج نموذجًا أكثر عمقًا وإنسانية؛ تُسخَر فيه البيانات والخوارزميات والتقنيات الـذكـيـة لخدمة الإنــســان وطمأنينته وسلامــتــه، ضمن رؤيــــة وطـنـيـة طـمـوحـة تـحـظـى بــدعــم واهــتــمــام الــقــيــادة الـرشـيـدة، التي جعلت خدمة ضيوف الرحمن وتطوير منظومة الحج ميدانًا مستمرًا للابتكار والتطوير والتحوّل النوعي. وهكذا، لم تعد «رقمنة الحج» مجرد تحديث للخدمات، بل أصبحت إعادة تعريف لكيفية إدارة أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم، في تجربة تجمع بين قدسية الزمان والمكان، وكفاء ة الإدارة، واستشراف المستقبل. قراءة حركة الحشود ودعم القرار الفوري حاجة تفد إلىمشعر منىلقضاء يوم التروية، فيأجواء إيمانية مفعمة بالسكينة والطمأنينة. (تصوير: مديني عسيري) @hailahabdulah20 هيلة المشوح منطقة وهوية اقتصادية 13 .. التنافسية الاستثمارية نـجـاح تـجـارب بعض مناطق المملكة خلال الـعـقـود الماضــيــة وإلـــى الـيـوم فيه الكثير من الــدروس فهو لم يكن مصادفة، ولـم يكن نتيجة «المال» وحـده كما يُعتقد أحيانًا، بل كـان نتيجة تفاعلات بين الجغرافية والبنية الاقتصادية، والثقافة المحلية، والقيادات، التوقيت التاريخي، وقدرة المنطقة على استثمار ميزتها النسبية قبل غيرها. من هنا، فإن فهم تجارب بعض المناطق السعودية وقصص نجاحها، يساعدنا على فهم كيف تُبنى «الهويات الاقتصادية للمناطق»، وكيف تتحوّل بعض المــــدن والمــنــاطــق إلـــى حــاضــنــات مـسـتـثـمـريـن وروّاد أعـــمـــال، ومــنــصــات تأثير اقتصادي وثقافي وإداري داخل ذات المنطقة وخارجها، بـمـسـاحـاتـهـا الـجـغـرافـيـة وكثافتها 13 رغـــم الــتــفــاوت بين مـنـاطـق المـمـلـكـة الـــــ السكانية، وتـنـوع مـواردهـا الطبيعية التي حباها الله وبـمـواردهـا البشرية والكثير من مقوّمات الاستثمار.. ورغم ما حظيت به كل مناطق المملكة من دعم حكومي سخي وميزانيات ضخمة خلال العقود الماضية ولكافة القطاعات منذ البدء بخطط التنمية. صحيح أن المال مهم في التنمية، وصحيح كذلك أن الموارد الطبيعية ضرورية للاستثمار، لكن هناك الإدارة ورأس المال البشري والقيادة التي لا تقل أهمية عن المال وعن الموارد الطبيعية في المنطقة. تلك النجاحات والتجارب الاستثنائية لبعض المناطق، تضعنا أمام مسؤولية وطنية تنموية لتأصيل وتوثيق تلك التجارب الاستثنائية والقصص الملهمة وتكريم روّاد النجاح لتلك التجارب مـن المعاصرين وممن سبقهم، وتعظيم الفائدة من نجاحاتهم وتجاربهم.. مثلما تضعنا نجاحات بعض المناطق أمام مسؤولية طرح سؤال عن أسباب عدم استفادة المناطق التي لا تزال تبحث عن هويتها الاقتصادية والتي لا تزال تتلمس طريقها لأسباب إما إدارية من خلال ترجمة واستثمار مواردها الطبيعية والبشرية وميزتها الثقافية والجغرافية والتي من ضمنها 2030 النسبية لتلتقي مع أغلب مستهدفات رؤيـة المملكة تنويع مصادر الدخل الوطني وجودة الحياة. تقتضي المرحلة -على ما يبدو- البحث في إيجاد آليات إداريـــة تفاعلية بين إدارات المناطق، بجانب إيجاد وتفعيل منبر أو منصة تعنى بالوعي الإداري والـتـقـنـي الـتـنـمـوي والاســتــثــمــاري وإتــاحــة الـفـرصـة المـبـاشـرة وغـيـر المـبـاشـرة لتدوير الفائدة والتجارب الناجحة وتنضيج المتأخر والمتعثر منها في بعض المــنــاطــق، وتـصـحـيـح مـــســـارات بـعـضـهـا، ويـشـمـل ذلـــك كــل الإدارات الحكومية وفــــروع الـــــوزارات فــي المـنـاطـق للمواكبة والــتــوأمــة فــي بـعـض الأحـــيـــان، وعــدم التكرار والتخلص من العناصر التي تحول دون تقدّم وتنمية بعض المناطق. كـمـا أن المـرحـلـة ربـمـا تقتضي إيــجــاد وتـفـعـيـل مـؤشـر المـنـاطـق ربـــع السنوي على مستوى المملكة لتحديد المناطق الأكثر جاذبية استثمارية وذلك لخدمة المستثمرين، ولتنبيه المناطق المتأخرة أو المتعثرة إداريًـــا والمناطق المترددة فــي رســـم هويتها الاقـتـصـاديـة الاســتــثــمــارات الـصـنـاعـيـة، التقنية، الـزراعـيـة، السياحية، اللوجستية، والعقارية، والخدمية، ليشمل حجم الجذب وسرعة النمو والبنية التحتية وجاهزية الإدارات الحكومية وعدم تضارب إجراء اتها ومـرونـة الإجــــراء ات وجـــودة البنية الاقـتـصـاديـة وحـجـم المـشـروعـات، والـقـدرة على جذب الشركات والمواهب والعقول، والقرب من المنافذ الحدودية والموانئ والممرات البحرية. المـسـتـثـمـر يـبـحـث عـــن الـــفـــرص الــعــادلــة والـتـشـريـعـات الــواضــحــة والإجــــــراء ات الأقـصـر والأســــرع، والاسـتـثـمـار لا يبحث عـن المــــوارد فـقـط، لكنه يبحث كذلك وبالتوازي عن البيئة التي تشعره بــإدارة محلية صديقة تعمل معه لا ضده وثقافة محلية شريكة لـه، ولهذا متوقع أن تكون المنافسة في الاستثمار بين المناطق السعودية الأكـثـر وديـــة وجـاذبـيـة للمستثمرين، خـاصـة مـع التحوّل 13 ، حيث لـم تعد المـنـاطـق الـــ 2030 الـتـاريـخـي الـــذي رسمته رؤيـــة الـسـعـوديـة مجرد تقسيمات إداريـة، بل تحوّلت إلى وحدات اقتصادية وتنموية تتنافس على جذب المستثمر واستقطاب المواهب والعقول ورفع جودة الحياة وتحويل الميز المحلية إلى اقتصاد مستدام. إن أفضل المناطق وأكثرها قابلية للاستثمار وجـذبًـا للمستثمرين ليست هي الأغنى بـمـواردهـا، بل هي الأســرع والأوضــح والأقل تعقيدًا والأعلى سرعة والأكثر تعاونًا والأكثر احترافية. فـي تحفيز 13 تـبـرز الحاجة إلــى مـؤشـر وطـنـي شـفـاف يقيس أداء المناطق الــــ الاســـتـــثـــمـــار، وجــــــودة الـــخـــدمـــات الاســـتـــثـــمـــاريـــة، وســـرعـــة الإجـــــــــراء ات، وكـــفـــاء ة الحوكمة، وكـفـاء ة مراكز الأعـمـال ورضــا المستثمرين، وعــدد المشروعات التي نجحت واستمرت، لا التي افتُتحت فقط بهدف خلق تنافس تنموي صحي وكشف مكامن التعثر وتحفيز القيادات المحلية، وتوجيه الدعم والقرارات بناء على بيانات حقيقية. ونجاح الاستثمار في المناطق مناط كذلك بقدرة القيادات المحلية على صناعة ثقافة صديقة للإنجاز والشراكة والمسؤولية المجتمعية والمنطقة التي لا تطور بيئتها الاستثمارية ستتراجع حتى لو امتلكت موارد ضخمة. المرحلة تقتضيإيجاد وتفعيلمؤشر المناطق ربع السنويعلىمستوىالمملكة لتحديد المناطق الأكثر جاذبية استثمارية الحج.. رحلة الإيمان.. وإرث النجاح ! تـطـل علينا أيـــام الـحـج المـبـاركـة تحمل نـفـحـات إيمانية غـامـرة ونــفــوساً تفيض بخشوع الأرواح ولهفة القلوب القادمة من كل فج عميق، حيث تتجه الأبصار إلـى مكة والمـشـاعـر المقدسة فـي رحـلـة إيمانية تختلط فيها لهفة الدعاء ورجـاء القبول بعظمة المشهد في رحلة روحانية عظيمة ومـــيلاد جـديـد بين بيت الـلـه والمـشـاعـر المقدسة، وتحديداً على مشعر عرفات في هذا اليوم العظيم. فـــي كـــل مـــوســـم حــــج، تـــعـــود المـمـلـكـة الــعــربــيــة الـسـعـوديـة لـــتـــقـــدّم لــلــعــالــم مــشــهــداً اســتــثــنــائــياً يــصــعــب تــــكــــراره في أي مــكــان أو زمـــــان، ملايين الــبــشــر، بـلـغـاتـهـم وألــوانــهــم وأعــراقــهــم، يـتـحـركـون فــي مـسـاحـة مــحــددة وفـــي توقيت بالغ الحساسية، بينما تسير المنظومة كاملة بانضباط لافت يعكس خبرة طويلة تراكمت عاماً بعد عام، فالحج بالنسبة للمملكة لم يكن يوماً ملفاً موسمياً عابراً، وإنما مــســؤولــيــة كـــبـــرى تــرتــبــط بــخــدمــة الــــحــــرمين الـــشـــريـــفين، ورعـــايـــة ضــيــوف الــرحــمــن، وتـكـامـل مـهـيـب بين مختلف الجهات الحكومية والخدمية والأمنية والصحية ضمن تنسيق هائل وجـهـود متواصلة لا تتوقف قبل مغادرة آخر حاج إلى دياره آمناً سالماً. خلال السنوات الأخيرة، تسارعت المشاريع والبرامج التي تستهدف تحسين تجربة الحاج في كل تفاصيلها لتقود جانباً مهماً من تطوير المشاعر المقدسة والبنية التحتية فـيـهـا، بـيـنـمـا أســهــم «بــرنــامــج خــدمــة ضــيــوف الـرحـمـن» فـي رفــع جـــودة الخدمات، 2030 ضمن رؤيـــة السعودية وتسهيل التنقل، وتطوير الحلول الرقمية التي اختصرت كثيراً مـن الإجـــــراء ات على الـحـجـاج. كما لعبت «الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة» دوراً محورياً فـي مـشـاريـع التنظيم وإدارة الـحـشـود والـتـوسـعـات، أما فـي الـجـانـب الصحي فالجهود الـسـعـوديـة تشكّل شبكة عمل ضخمة تتحرك على مـدار الساعة بين مستشفيات، ومــراكــز طبية، وفـــرق إسعافية، وتقنيات حديثة تتابع الحالة الصحية للحشود بدقة عالية، إلى جانب استخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الذكية للمساهمة في رفع مستويات السلامة والتنظيم ونقل الأدويــة لحجاج بيت الله. شهدت المشاعر المقدسة خلال الأعوام الماضية تحوّلاً هائلا على مستوى البنية التحتية؛ من شبكات الطرق وقطار المــشــاعــر، إلـــى مــشــاريــع الـتـوسـعـة والــتــبــريــد والــخــدمــات اللوجستية، في صورة تعكس حجم العناية التي توليها المملكة لراحة الحجاج وسلامتهم، ورغم ضخامة الأعداد وتعقيد التفاصيل، تمضي المملكة في إدارة الحج بثبات وثقة، مقدمة نموذجاً عالمياً في التنظيم والكفاء ة والقدرة على إدارة الحشود، وسط تقدير واسع لما تبذله من جهود استثنائية لخدمة ضيوف الرحمن. كل عام وأنتم بخير. كاتبةسعودية Abdullateef.aldwaihi@gmail.com عبداللطيفالضويحي كاتبسعودي @AlharthiMosleh د. مصلح الحارثي عضو مجلسالشورى أستاذ الهندسة الكهربائية

RkJQdWJsaXNoZXIy MTExODU1NA==